السيد محمد تقي المدرسي

35

من هدى القرآن

[ 47 ] ولكن دعوة الله لرسوله ( وللمؤمنين من خلاله ) إلى ترك الظَلَمَة والكفار يلاقون عذاب الآخرة لا يعني أن الدنيا لهم ، يلعبون فيها كيفما شاءت أهواؤهم ومصالحهم ، كلا . . إنما يلقون فيها نصيبا من العذاب متمثلا في غضب الله المباشر أو على أيدي أوليائه ، ولكنه مهما بلغ لا يكون كعذاب الآخرة وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ أي غيره ، وأقل منه ألما ، وهو دليل على عذاب الآخرة ، قال تعالى : كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ القلم : 33 ] ، وقال : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ السجدة : 21 ] ، ولكنهم لا ينظرون إلى الآيات ببصيرة الإيمان ومن ثم لا يصلون إلى الحق وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وبالتالي فإن جهلهم يوقعهم في العذاب الدنيوي والأخروي معا . [ 48 - 49 ] وبعد أن عالج القرآن مشكلة التكذيب بالعذاب والكفر بالله من الناحية النفسية والعقلية ، أكد ضرورة الاستمرار والاستقامة على الحق في سبيل الله وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وحيث حذف متعلق الصبر دَلَّ ذلك على كل معانيه ( الصبر عند البلاء ، والصبر على الطاعة ، والصبر عن المعصية ) ، فيجب إذن على المؤمن أن يتنازل عن جميع تطلعاته ومصالحه وآرائه في سبيل رسالته ، مهما كان الصبر على ذلك صعبا ، وأن يترك العجلة في الأمور ، بل يصبر حتى يأتي أمر الله متمسكا بمنهج الوحي ، وهذا يوحي بأن على المؤمن تطبيق أحكام الله أثناء الصبر ، وليطمئن أن عين الله تحرسه وتسدد خطاه فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وعيون الله تتجسد في سننه وملائكته وإرادته المباشرة التي تؤيد المؤمنين . وكما يقاوم المؤمن الضغوط ، ويستمر في الطريق ، ويلتزم بحدود الله وأوامره بعامل الصبر ، فإنه يستمد إرادته من الاتصال بالله في الصلاة ، ولو تدبرنا في القرآن فإننا لا نكاد نجد دعوة إلى الصبر إلا وقد اقترنت بها دعوة إلى الصلاة أيضا ، إذ بهما نستعين على الأمور . بلى ؛ قد تختلف التعابير من موضع إلى آخر ، فتأتي تارة صريحة كما في قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] ، وأخرى دون ذلك بالدعوة إلى التسبيح أو الركوع والسجود بوصفه مظهراً أو جوهراً للصلاة ، أو بإضافة أمر آخر مثل ضرورة الإحساس بالرعاية الإلهية كما في هذه السورة ، ولكن الحقيقة واحدة وهي اقتران الصبر بالتبتل ، وفي هذه الآية نجد شاهدا على ذلك فبعد أن دعا الله عز وجل رسوله للصبر والاطمئنان لرعايته أمره بالتسبيح وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال علي بن إبراهيم : « لِصَلَاةِ اللَّيْلِ » « 1 » . وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام : « إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَنْظُرُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَيَقْرَأُ خَمْسَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ : إِنَّ فِي

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 332 ، بحار الأنوار : ج 9 ، ص 239 .